المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من لطائف سيد قطب


ابو الحارث الاسدى
09-07-2010, 04:47 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الامام سيد قطب رحمه الله فى تفسيره لسورة يوسف وهو يبين وهم المشتغلين فى مجال الفقه الاسلامى الآن

إن نقطة البدء في المتاهة كما قلنا - هي افتراض أن هذه المجتمعات القائمة هي المجتمعات الإسلامية؛ وانه سيجاء بأحكام الفقه الإسلامي من الأوراق لتطبق عليها ، وهي بهذا التركيب العضوي ذاته ، وبالتصورات والمشاعر والقيم والموازين ذاتها .
كما أن أصل المحنة هو الشعور بأن واقع هذه المجتمعات الجاهلية وتركيبها الحاضر هو الأصل الذي يجب على دين الله أن يطابق نفسه عليه .
وأن يحور ويطور ويغير في أحكامه ليلاحق حاجات هذه المجتمعات ومشكلاتها . . حاجاتها ومشكلاتها المنبثقة أصلاً من مخالفتها للإسلام ومن خروج حياتها جملة من إطاره!
ونحسب أنه قد آن للإسلام أن يستعلي في نفوس دعاته ، فلا يجعلوه مجرد خادم للأوضاع الجاهلية ، والمجتمعات الجاهلية ، والحاجات الجاهلية . وأن يقولوا للناس وللذين يستفتونهم بوجه خاص تعالوا أنتم أولاً إلى الإسلام ، وأعلنوا خضوعكم سلفاً لأحكامه . . أو بعبارة أخرى . . تعالوا أنتم أولاً فادخلوا في دين الله ، وأعلنوا عبوديتكم لله وحده ، واشهدوا أن لا إله إلا الله بمدلولها الذي لا يقوم الإيمان والإسلام إلا به . وهو إفراد الله بألوهيته في الأرض كإفراده بالألوهية في السماء؛ وتقرير ربوبيته أي حاكميته وسلطانه وحده في حياة الناس بجملتها . وتنحية ربوبية العباد للعباد ، بتنحية حاكمية العباد للعباد ، وتشريع العباد للعباد .
وحين يستجيب الناس أو الجماعة منهم لهذا القول ، فإن المجتمع المسلم يكون قد بدأ أولى خطواته في الوجود . وهذا المجتمع يكون حينئذ هو الوسط الواقعي الحي الذي ينشأ فيه الفقه الإسلامي الحي وينمو ، لمواجهة حاجات ذلك المجتمع المستسلم لشريعة الله فعلاً . .
فأما قبل قيام هذا المجتمع فالعمل في حقل الفقه والأحكام التنظيمية هو مجرد خداع للنفس ، باستنبات البذور في الهواء ، ولن ينبت الفقه الإسلامي في الفراغ ، كما أنه لن تنبت البذور في الهواء!
إن العمل في الحقل « الفكري » للفقه الإسلامي عمل مريح! لأنه لا خطر فيه! ولكنه ليس عملاً للإسلام؛ ولا هو من منهج هذا الدين ولا من طبيعه! وخير للذين ينشدون الراحة والسلامة أن يشتغلوا بالأدب وبالفن أو بالتجارة! أما الاشتغال بالفقه الآن على ذلك النحو بوصفه عملاً للإسلام في هذه الفترة فأحسب والله أعلم أنه مضيعة للعمر وللأجر أيضاً!
إن دين الله يأبى أن يكون مجرد مطية ذلول ، ومجرد خادم مطيع ، لتلبية هذا المجتمع الجاهلي الآبق منه ، المتنكر له ، الشارد عنه . . الذي يسخر منه الحين بعد الحين باستفتائه في مشكلاته وحاجاته؛ وهو غير خاضع لشريعته وسلطانه . .
إن فقه هذا الدين وأحكامه لا تنشأ في فراغ ، ولا تعمل في فراغ . . وإن المجتمع المسلم الخاضع لسلطان الله ابتداء هو الذي صنع هذا الفقه وليس الفقه هو الذي صنع ذلك المجتمع . . ولن تنعكس الآية أبداً .
إن خطوات النشأة الإسلامية ومراحلها هي دائماً واحدة؛ والانتقال من الجاهلية إلى الإسلام لن يكون يوماً ما سهلاً ولا يسيراً . ولن يبدأ أبداً من صياغة الأحكام الفقهية في الفراغ ، لتكون معدة جاهزة يوم يقوم المجتمع الإسلامي والنظام الإسلامي . ولن يكون وجود هذه الأحكام المفصلة على « الجاهز » والناشئة في الفراغ هي نقطة البدء في التحول من الجاهلية إلى الإسلام .
وليس الذي ينقص هذه المجتمعات الجاهلية لكي تتحول إلى الإسلام هو الأحكام الفقهية « الجاهزة »! وليست الصعوبة في ذلك التحول ناشئة عن قصور أحكام الفقه الإسلامي الحاضرة عن ملاحقة حاجات المجتمعات المتطورة . . إلى آخر ما يخادع به بعضهم ، وينخدع به بعضهم الآخر!
كلا! إن الذي يحول دون تحول هذه المجتمعات الجاهلية إلى النظام الإسلامي هو وجود الطواغيت التي تأبى أن تكون الحاكمية لله؛ فتأبى أن تكون الربوبية في حياة البشر والألوهية في الأرض لله وحده . وتخرج بذلك من الإسلام خروجاً كاملاً . يعد الحكم عليه من المعلوم من الدين بالضرورة . . ثم هو بعد ذلك وجود جماهير من البشر تعبد أولئك الطواغيت من دون الله أي تدين لها وتخضع وتتبع فتجعلها بذلك أرباباً متفرقة معبوده مطاعة . وتخرج هذه الجماهير بهذه العبادة من التوحيد إلى الشرك . . فهذا هو أخص مدلولات الشرك في نظر الإسلام . .
وبهذا وذلك تقوم الجاهلية نظاماً في الأرض؛ وتعتمد على ركائز من ضلال التصور بقدر ما تعتمد على ركائز من القوة المادية .
وصياغة أحكام الفقه لا تواجه هذه الجاهلية إذن بوسائل مكافئة . إنما الذي يواجهها دعوة إلى الدخول في الإسلام مرة أخرى؛ وحركة تواجه الجاهلية بكل ركائزها؛ ثم يكون ما يكون من شأن كل دعوة للإسلام في وجه الجاهلية . ثم يحكم الله بين من يسلمون لله وبين قومهم بالحق . . وعندئذ فقط يجيء دور أحكام الفقه ، التي تنشأ نشأة طبيعية في هذا الوسط الواقعي الحي ، وتواجه حاجات الحياة الواقعية المتجددة في هذا المجتمع الوليد ، وفق حجم هذه الحاجات يومئذ وشكلها وملابساتها ، وهي أمور كلها في ضمير الغيب كما أسلفنا ولا يمكن التكهن بها سلفاً ، ولا يمكن الاشتغال بها من اليوم على سبيل الجد المناسب لطبيعة هذا الدين!
إن هذا لا يعني بحال أن الأحكام الشرعية المنصوص عليها في الكتاب والسنة ليست قائمة الآن فعلاً من الوجهة الشرعية . ولكنه يعني فقط أن المجتمع الذي شرعت هذه الأحكام له ، والذي لا تطبق هذه الأحكام إلا فيه بل الذي لا تعيش إلا به ليس قائماً الآن فعلاً . ومن ثم يصبح وجودها الفعلي معلقاً بقيام ذلك المجتمع . . ويبقى الالتزام بها قائماً في عنق كل من يسلم من ذلك المجتمع الجاهلي ويتحرك في وجه الجاهلية لإقامة النظام الإسلامي؛ ويتعرض لما يتعرض له من يتحرك بهذا الدين في وجه الجاهلية وطواغيتها المتألهة وجماهيرها الخاضعة للطواغيت الراضية بالشرك في الربوبية . .
إن إدراك طبيعة النشأة الإسلامية على هذا النحو الذي لا يتغير ، كلما قامت الجاهلية وقامت في وجهها محاولة إسلامية . . هو نقطة البدء في العمل الحقيقي البناء لإعادة هذا الدين إلى الوجود الفعلي ، بعد أن انقطع هذا الوجود منذ أن حلت شرائع البشر محل شريعة الله في خلال القرنين الأخيرين ، وخلا وجه الأرض من الوجود الحقيقي للإسلام؛ وإن بقيت المآذن والمساجد ، والأدعية والشعائر؛ تخدر مشاعر الباقين على الولاء العاطفي الغامض لهذا الدين؛ وتوهمهم أنه لا يزال بخير؛ وهو يمحى من الوجود محواً!
إن المجتمع المسلم وجد قبل أن توجد الشعائر ، وقبل أن توجد المساجد .
. وجد من يوم أن قيل للناس : اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، فعبدوه . ولم تكن عبادتهم له ممثلة في الشعائر ، فالشعائر لم تكن بعد قد فرضت . إنما كانت عبادتهم له ممثلة في الدينونة له وحده من ناحية المبدأ فلم تكن بعد قد نزّلت شرائع! وحين أصبح لهؤلاء الذين قرروا الدينونة لله وحده سلطان مادي في الأرض تنزلت الشرائع؛ وحين واجهوا الحاجات الحقيقية لحياتهم هم استنبطت بقية أحكام الفقه ، إلى جانب ما ورد بنصه في الكتاب والسنة . .
وهذا هو الطريق وحده؛ وليس هنالك طريق آخر . .
وليت هنالك طريقاً سهلاً عن طريق تحول الجماهير بجملتها إلى الإسلام منذ أول وهلة في الدعوة باللسان ، وببيان أحكام الإسلام! ولكن هذه إنما هي « الأمانيّ »! فالجماهير لا تتحول أبداً من الجاهلية وعبادة الطواغيت ، إلى الإسلام وعبادة الله وحده إلا عن ذلك الطريق الطويل البطيء الذي سارت فيه دعوة الإسلام في كل مرة . . والذي يبدؤه فرد ، ثم تتبعه طليعة ، ثم تتحرك هذه الطليعة في وجه الجاهلية لتعاني ما تعاني حتى يحكم الله بينها وبين قومها بالحق ويمكّن لها في الأرض . . ثم . . يدخل الناس في دين الله أفواجاً . . ودين الله هو منهجه وشرعه ونظامه الذي لا يرضى من الناس ديناً غيره { ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه }.



فرحم الله سيد قطب فقد قدم حياته لهذا المعنى

ابوعبد السلام
09-09-2010, 01:12 AM
جزاك الله خيرا